محرك بحث المدونة

الأربعاء

عندما يموت الحمام الأبيض

أحب أن أنوه فقط إننى بدأت بقصة ، ولكنها ليست ضمن فئة قصص التنمية البشرية التافهات (على حد قول "ستيفن كوفى" ) على غرار الضفدعة الصماء والقرد اللى مش عارف أيه ، وهى فقط مجرد إستهلال للموضوع ، فالنبدأ ...
يُحكى إنه هناك نملة صغيرة أرسلتها أمها لأداء مهمة قريبة من المنزل وأوصتها بالعبور من الجسر الكبير القوى ذو الأسوار ، ولكن الصغيرة رأت إن الجسر الكبير بعيد نوعاً ما ، لذا قررت أن تعبُر من على الجسر الضعيف بدون الأسوار ، وأثناء عبورها هبت ريح فلم تجد الصغير أسوار تُمسك بها فسقطت فى النهر ، وأثناء ذلك كانت تطير حمامة بيضاء ومن أعلى رأت  هذا الموقف ومأزق النملة الصغيرة وهى بالماء فأسرعت وألقت إليها بورقة شجرة والتى تعلقت بها النملة بسرعة حتى وصلت إلى الشاطئ وبهذا أنقظتالحمامة البيضاء النملة الصغيرة .
أمتنت جداً النملة وتمنت يوماً تأتيها الفرصة حتى ترد إليها الجميل أو حتى تشكر تلك الحمامة البيضاء .
وفى أحد الأيام كانت تسير النملة مع أختها الكُبرى ولاحظت النملة الحمامة البيضاء تقف على غصن شجرة يانعة ولكنها قبل أن تشير إليها لأختها أشارت أختها الكبرى فإذا هناك صياد يصوب نحو الحمامة البيضاء الجميلة تلك التى تعكس ضوء النهار فهى بمثابة شمس أخرى صغيرة لكل من نظر إليها ، هنا ذهبت النملة بجراءة نحو الصياد ولم تلتفت إلى تنبيهات أختها الكُبرى لها بعد الإقدام خطوة أخرى .
وهنا سأسمح لنفسى بالتلاعب بالقصة لأنى لا أحكى قصة ماقبل النـوم للأطفال مثل تلك الشابة الجميلة - التى سمعت منها تلك القصة - والتى كانت تُغير من طبقة صوتها لإضفاء مؤثرات للأطفال ، ولذا سمحت لنفسى بإفساد القصة على الأطفال .
ذهبت النملة بشجاعة غير طبيعية نحو الصياد صعدت على قدمه ولكنه كان يرتدى حذاء جلدى عجيب يرتفع إلى مايقارب ركبته .
هل هو حذاء حربى (بيادة) ؟؟؟
لايهم النملة المُسمايات الأن أمام النملة المُجردة المُتجردة هدف واحد لأعلى حيث هنا  منفذ إلى جلد الصياد (لتقرصه) ، ولا أمل فى الدوران حول هذا الحذاء المُتقن الصُنع والواضح إنه (مُستوردا) ، فلابد من الوصول إلى رأس الصياد أو رقبته .
ولكن إثناء إسراعها نحو الأعلى سقطت النملة جراء صوت طلقة بندقية الصياد المدوى ، وكذلك سقطت معها فى نفس الوقت صديقتها البيضاء .
كانت النملة الصغيرة على وشك أن تسقط تحت هذا الحذاء الغبى ، ولكنها بالفعل سقطت أسفل ضغوط أشد وطأه ، ضغط خيبة الأمل ,ضغط قلة الحيلة أو الإمكانيات ، وضغط الإحساس بالضآلة والحزن على الحبيب .
تخيلت لو سقطت الحمامة البيضاء التى كانت تلحقنا وقت الشدائد بالتأكيد سوف نسقط معها ، وربما تدهسنا تلك الأحذية الغليظة الغبية ، ولسوف تتكحل سمائنا بطين الأرض وتتلبد بغيوم المصانع .
كلنا أرتدى عباءة (الزحمة) ، وأغمدنا فى أذنيه سماعات (الدوشة) ، وإنتعلنا أحذية (التبعية) ، وإعتلتنا قبعات (الإنهيار) ، ووضعنا نظارات(الإنبهار) بتلك التكنولوجيا الصماء الحمقاء والتى تسعى إلى (أنسنة) الروباتات ، و (روبتة) الإنسان !!!
فى الواقع تلك الحمامة البيضاء تحوم حولك ولكنها تحيا بداخلك ، وإذا ما كثُرت حولك الضغوطات فالتعلم إنك أطلقت على الحمام الإبيض فتتفرق من حولك فيتداعى إليك السواد بعبائته وسماعاته وقبعاته ونظاراته بل ونعاله .كل من تلك الأشياء كارثة كُبرى
ولكن أمر غريب تلك الأحذية الغبية التى تم إستيرادها لتخطو خطوة بخطوة من صنعها 
فلا تستغرب كارثة (التبعية) التى أحتنكت شباب العرب وقاطعتها (الهند) فحافظت على هويتها وسماعات الشوشرة والدوشة التى رفضت (الصين) إستيرادها ففاقت وتفوقت ، أما نظارات (الإنبهار) فكسرها مُبكرا جدا (الشوجون) أمبراطور (اليابان) بالتحديد سنة 1637م وإختار عُزلة طواعية لمدة " قرنين " من الزمان لأنه وجد إن شعبه ليس مُستعداً للإنفتاح المُفاجئ المباشر على الحضارة الأوروبية ، وترى شبابنا العربى يرتدى تلك الكماليات بل ويتفاخر بها وكله رضا عن نفسه عندما يقول أحدهم إننى (لا أكتب أبدا عربى على الكيبورد الخاص بى) وهذا الذى يقول منبهراً مبتسماً(إلى أين يأخذونا هؤلاء )    
أين نحن من الجلسات العائلية (بلا هواتف ذكية) إين مناقشات الشباب المفكر (غير من سيفوز فى الدورى الإنجليزى أو ....) إلى أين ذهبت حكاوى الكبار وإلتفاف الصغار حولها بأحد الليالى الشتوية مع صوت طقتقة الخشب المُشتعل بوقد التدفئة .
الأن الأجواء كفيلة بأن تُسمم الجو للحمائم البيضاء التى تُنير بداخلنا وحولنا لتموت بلا أى رصاصات ليلتف ويتداعى إلينا السواد والضغوط .
كيف نواجه الضغوط ونحمى الحمائم البيض ؟؟؟
إن أول مبادئ مواجهة الخصوم هو التعرف على تفاصيله وملامحه
ملامح الضغوط الإنسانية
أعيتنى ملامح الضغوط الإنسانية لمحاولتى لملمة الموضوع فى أضيق النقاط وكذلك فى جميع العصور ، فوجدتها تسع نقاط أساسية منها تتولد الضغوط وتنجذب نحو الإنسان :-  
أولاً : الإعراض عن ذكر الله
 وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ
124 من سورة طه الآية
قد يظن البعض إن (ذكر الله) هو مجرد ترديد التسبيحات والتكبيرات أو الترديد اللفظى ومع أهمية ذلك إلا معظم كتب التفسير أشارت إن الإعراض عن ذكر الله هو الإعراض عن تعاليم الله تعالى للبشر وهذا لايقتصر فقط على أداء الصلوات .
ثانياً : فراغ المبادئ وفقر القيم
كثيراً مانسمع عن شخص فارغ وهنا قد نعتبر هذا دلالة بإنه شخص تافه أو ماشابه أرى إن هذا ليس صيحي فالشخص الفارغ هو من فرغ داخلياً من المبادئ وأفتقرت ذاته إلى القيم وثمة من يعتبر إن أصحاب المبادئ والقيم يحملون أعبائاً وهى تمثل ضغط عليه فى حين إن العكس هو الصحيح تماماً .
ثالثاً : التقليدية والتبعية الفكرية
بالتأكيد إن فقدان الإبداع من حياة الفرد والتبعية الفكرية تورث الملل فى طبيعة الحياة والعمل ولذا نجد أن ثمة مشاهير إنتحروا رغم إنهم ما كان ينقصهم المال أو الشهرة أو الشباب (الثراء الزمانى) أو المساكن الفاخرة أو السيارات الفارهة (الثراء المكانى) ، ولكنهم لم يجدوا التجديد الفكرى بحياتهم والذى يعمل على إثارة الحماسة للحياة والإنفتاح عليها بود ، ولذا تجد بكتاب (سيكولوجيا السعادة) دراسة تؤكد إن العمل الروتينى من أكثر مُسببات التعاسة والضغوط فى حياة الإنسان . 
رابعـاً : السكون الضميرى
مهما كان الشخص ضميره يطاوع نفسه الأمارة أو ساكن ولكنه ليس - بالتأكيد - هناك ضمير ميت فلا موت لأحد عناصر الذات الإنسانية ، ولذا فالضميرعادتـاً مايئن على صاحبه ، وهذا بمثابة ضغوط خفية يمارسها الضمير ، فقد يمنعه من النـوم أو يورث القلق الدائم من الآتى ويبقى هذا الفرد مابين محاولات الضغط العكسى أو التبرير وفى الجانب الأخر تصل أحيانـاً إلى مرض (جلد الذات) على أى شئ وهو ضغط أخر .   
خامساً : إختلال التـوازن الخارجى
من أهم مصادر الضغوط الشديدة على الإنسان - ظهوراً وخفائاً - إختلال تـوازنه الخارجى وهو يتمثل في التالى :-
1- تشتت الإتجاه أو بطئه : يجب أن يكون لكل فرد الإتجاه الخاص به ولكن ثمة العديد من الأفراد لايستسيغون تلك العبارة أو لايتفهمونها رغم إن لهم بالفعل إتجاه خاص محدد فى الحياة وثمة من يتفهمونها ولهم تشتت إتجاهى ، وحتى نتفهم المفهوم جيداً فإن الإتجاه هو مايحوى (الوجهة و التوجه) وهما مايتم تسميتهما حاليا (الرسالة و الرؤية) ويظن العديد من الناس إنهما مفهومان يخصان الشركات والمؤسسات فقط ، بالتأكيد إن كنت ممن يرون هذا فأنت لديك تشتت فى الإتجاه أو بطئ شديد حتى إنك لاتلاحظ مروره بداخلك ، وهو من أكثر الضغوط إنتشاراً والتى لاتجعل للحياة معنى ، فثمة من رأيتهم بالحياة أو على المواقع الشهيرة ثمة من تجده يقول إنه مُدرب مثلاً فى كذا ولديه كتبه ومحاضراته وعندما تدخل إلى البروفايل الخاص به لاتجد كتابات إلا التفاهات بالتأكيد هم فى ضغط كبير، فهم ليس لديهم ذلك الإتجاه المُحدد بالحياة والتى يضحى من أجلها العظماء بوظائفهم أو مساكنهم ويرحبون بضيق العيش من أجل الإستمرار فى ذات الوجهة وتحقيق هذا التوجه نفسه ، ومنهم من قد يضحى بحياته .
2- الشُح المـادى أو الفقر
الفقر من أوضح الضغوطات بالحياة حتى إنه ثمة مقولة منسوبة إلى "على" رضى الله عنه يقول (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) هذا لايعنى حب العيش فى بحبوحة - لإننا نعلم كم كانـوا يعيشون طواعية فى الذهد - ولكن لما يورثه الفقر من ضغوط على السواد الأعظم من البشر . 
3- الضيق الزمانى أو المكانى
 كنت مدعو إلى سيمينار وبعدها سألقى عدة مًحاضرات بإحدى الدول الخليجية ولاحظت إن المُضيف على عجلة دائماً من أمـره بلا داعى أبـداً وحافظت على هدوئى بصعوبة (لأنى أعلم إن تلك الحالة دائماً ماتكون مُعدية) فكثيراً مانجد من الناس يحس بالأهمية - أو يوحى للأخرين بهذا - عندما يكون مُنشغل دائماً أو يكون دائماً فى عجلة من أمره ، هو بهذا يمارس الضغوط الذاتية والتى لا ولن تحقق أبـداً التقدم فى شئ فطبيعة الضغط على أى شئ (وحتى فيزيـائياً) من شأنها أن تُبطئ حركة هذا المضغوط .
وبالتأكيد فإن القرينان (الزمكانى) لاينفصلان فى "فالضيق المكانى" عامل ظاهرى جداً لإظهار الضغط الإنسانى ، إتفق علماء الجيولوجيا إن الحمام عاش من ملايين السنين وهو فى معظم الثقافات يرمُز للمحبه والألفه بل والإخلاص والحكمة أحياناً لدى الشعوب الشرقية ، لأن من سلوكياته العيش الجماعى ونادر التقاتل ويشارك بعضه المياه والعلف ،بيد إن هناك دراسة أجريت على الحمام عند وضعه بكثرة فى مكان ضيق ، فما من حمام السلام إلا إنه تقاتل وهو نادراً مايفعل هذا .
4- سلبية الطاقة أو ضعفها
الطاقة البشرية شئ مُدهش حقاً فهى السر وراء الأفعال العجيبة والتى تُدهش سحرة العالم القديم والإنسان مفطور على إطلاق تلك الطاقة دائماً ، ولكن إذا ماكانت تلك الطاقة سالبة الإتجاه أو تعانى من ضعف الإيجابية ، فسوف يجذب ذلك الضغوط من حولك إليك بالتأكيد وهى الضغوط الأكثر خفائاً ولكنها قد تكون الأكثر تأثيراً .  
سادساً : الغبـاء وعدم التركيز
الغـباء بالتأكيد من الضغوط الخفية التى تحيط بالإنسان ولكن هو المرض الذى لايحس به صاحبه ولكن بالتأكيد يحس بتبعاته من ضغوط ، والغباء هنا لايمثل فقط الجانب العلمى بل يمتد إلى أفاق أخرى من الغباء مثل الغباء الإجتماعى والعاطفى ، ولكن ثمة قائل يقول إن قضية الذكاء منتهية ولا دخل لنا بها .
 ولذا قال المُفكر الفرنسى الإستاذ "غيتون"
( إن من واجب كل إنسان أن يكون ذكياً  )
حتى ينهى ذلك الزعم فالذكاء مثل القوة البدنية أو الإرادة أو الرأفة أو التفاؤل والتى بسهولة أو بصعوبة - حسب مقدار القابلية لديك - تستطيع زيادتهم .
سابعاً : الغضب والقنوط
الضعف والقنوط من أكثر نقاط الإحساس المُضاعف بالضغوط وتلبد سماء الصباح بالغيوم ، وهنا بالتأكيد نتذكر قوله تعالى فى سورة (الزمر) الآية (53)
{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }
ولقد نبهنا الرسول الكريم "محمد" صلى الله عليه وسلم من (الغضب) فى الحديث الصحيح عندما قال له أحد الصحابة أوصنى يارسول الله فقال له كلمة موجزة (لاتغضب) . لأن الغضب من أشد الضغوط وطأة بنوعيه المُتجه (داخلياً أو خارجياً ) بمعنى المُنصب على الذات أوعلى الآخر.  
ثامناً : المشاعر السلبية نحو الأخرين
دائماً من يُدمن تخزين المشاعر السلبية نحو الأخرين فهو يحيا فى ضغط دائم هائل يزرعه بيده داخل أرضه ، فهو دائم التوجس من الغربـاء خاصة وأحيانـاً يصل التوجس من  المُقربين ، وهو نوع من الضغوط التى قد تُميز السياسيين والقـادة فى العصر الحديث والقديم ، ولذا نجد إنه عندما أرسل ملك الفرس رسولا إلى "عمر بن الخطاب"رضي الله عنه فلما دخل المدينة سأل أهلها عنه فلما رأه نـائماً فوق الرمال وقد وضع عصاه كوسادة عَدَلت فأمِنْت فنِمْت ياعمر) قال مقولته الشهيرة : (  
تاسعاً : الإنهاك والإرهاق
أرى إن الإنهاك يختلف عن الإرهاق ، فالأولى يمثل تعب المخ تلك الآلة - والتى تمثل الرابط مابين العقل والجسد - والتى تعمل على مُعالجة التفكير الدائم فى أمـر واحد فقط ودائم التحوم حوله فهو ضغط من ضغوط الإستمرارية بلا توقف ، أما الإرهاق فهو من نصيب الجسد عند العمل بإستمرارية بلا توقف أو قلة ساعات النـوم .
تلك كانت خلاصة بحث الضغوط الإنسانية
مع تحياتى
المُدرب المُبتكر : حسن حجازى   
المخترع، والمدرب الدولى ، والفنان التشكيلى ، وخبير أكتشاف المواهب ، والمستشار التربوى ، والباحث الرياضياتى ، والباحث التربوى 
للتواصل: hassansalah73@yahoo.com